languageFrançais

الحُبُّ زمن التكنولوجيا.. من المشاعر إلى الخوارزميات!

عندما تختار الخوارزميات من نُحب.. هذا هو الحُبّ في زمن التكنولوجيا

تخيّل أنّ رسالة واحدة على هاتفك قد تُغيّر يومكَ كُلّه، إشعار صغير يُمكن أن يُوقِظ مشاعر لم تتوقّعها، أو يُقرّب شخصا من قلبكَ. نعم! هذا هو الحُبّ في زمن التكنولوجيا؛ سريع وغير متوقّع. فلم تعد المسافات تمنع اللقاء، ولا ساعات الانتظار تُحدّد المصير. اليوم، الحُبّ يُقاس بالرسائل، الصور، والمكالمات.. لكنّه يبقى كما هو في جوهره؛ قلبان يبحثان عن اتّصال حقيقي، حتّى لو كان خلف شاشة.

فربّما لا يتغيّر مفهوم الحب مع مرور الزمن، لكنّه اليوم لم يعد كما عرفه العشاق سابقًا. في عالمٍ يتسارع كلّ يوم، تعيش المشاعر بدورها، سباقًا مع الوقت؛ تُكتب بسرعة، تُقرأ بسرعة، وأحيانًا.. تُختصر بسرعة.

فهل غيّرت التكنولوجيا شكل الحب فقط، أم أعادت تعريفه بالكامل؟ إنّه السؤال الذي يفرضه عصرنا، ونحن نعيش الحب بين الواقع والافتراض..!

الحبُ في الأرض بعضٌ من تَخَيُّلِنا، إن لم نجده عليها لاخترعناهُ

نزار القباني

حُبّ.. كلمة صغيرة، لكنّها تُحرّك عالمًا بأكمله. بسيطة في حروفها، عميقة في معناها، ولم يتفق البشر يومًا على تعريف واحد لها. فهي ليست فكرة ولا قاعدة، بل تجربة يعيشها كلّ شخص منّا بطريقته الخاصّة. تذكّر مثلًا روميو وجولييت، شهرزاد وشهريار، وقيس وليلى، وغيرهم، قصص حب خالدة صنعت التاريخ وألهمت الفن والأدب، لكنّ كلّ قلب عاشها بطريقة مختلفة.

 

رُبّما إذن يُمكننا فهم الحب قليلًا من خلال ما ليس هو: ليس الكراهية، فهو عكسها تمامًا، ليس مجرّد شهوة، فهو شعور رومانسي وعاطفي قبل كلّ شيء، ليس البرود أو اللامبالاة، فهو يحفّزنا على الشعور، على الاهتمام، وعلى البحث عن التواصل مع الآخر بصدق. بهذه الطريقة، نرى أنّ الحب ليس شعورًا واحدًا يُمكن اختصاره في كلمة أو تعريف، بل هو مجموعة من المشاعر التي تتشابك مع بعضها، ليَكتمل بعضها ببعض.

"الحُب" الرقمي.. كيف أصبحت المشاعر تجربة تُدار عبر التطبيقات؟

اليوم، لم يعد الحب يقتصر على لقاء شخصين، كما كان يحدث في الماضي، حين كانت العلاقات تُبنى على اللقاءات العفوية، الرسائل المكتوبة باليد، والانتظار الطويل الذي كان يضيف قيمة للمشاعر. ففي عصر التكنولوجيا، أصبح الحب تجربة متغيّرة بشكل مستمر: يمكن أن تبدأ علاقة بإشعار على الهاتف، أو رسالة نصية، أو حتّى إعجاب على منشور في وسائل التواصل الاجتماعي. 

زدّ على ذلك التطبيقات والوسائط الرقمية التي جعلت التعارف والتواصل أسرع وأسهل من أيّ وقت مضى، لكنّها في الوقت نفسه جرّدت العلاقات من عمقها الطبيعي ووضعت المشاعر في إطار احتمالات وخوارزميات، تقيسها أحيانًا بدلاً من أن تعيشها. وإذا نظرنا إلى الحب اليوم من زاوية الأرقام والإحصاءات، يظهر تأثير التكنولوجيا بشكل واضح لا يمكن تجاهله:

في عام 2024، كان هناك نحو 360 مليون شخص يستخدمون تطبيقات المواعدة حول العالم، مع زيادة سنوية في هذا العدد مع استمرار انتشار الهواتف الذكية والإنترنت.

من بين هذه المنصات، تبرز Tinder كأحد الأكثر استخدامًا، إذ بقي في المقدمة بين تطبيقات المواعدة عالميًا مع ملايين مرات التحميل سنويًا، بينما يتنافس معه Bumble وHinge في جذب المستخدمين.

 

الإحصاءات تشير أيضًا إلى أنّ غالبية مستخدمي هذه التطبيقات هم من الشباب؛ حوالي 60% من مستخدمي Tinder تتراوح أعمارهم بين 18 و34 عامًا. 

الأرقام توضّح كيف أصبحت التكنولوجيا جزءًا أساسيًا في طرق البحث عن الشريك، في وقت لم تكن فيه هذه الإمكانيات متاحة قبل ظهور الهواتف الذكية والإنترنت. ثُمّ إنّ هذه المنصات أصبحت تُقدّم العلاقات الإنسانية كـ "بضاعة''، وكأنّ القلب بات "سلعة" تُختصر بخوارزمية.

صحيح أنّها وفّرت فرصًا غير مسبوقة للتواصل، لكنّها في الوقت نفسه غذّت النزعة الفردانية. فالخوارزميات لا تهتم بخلق "قصة حب"، بل بزيادة التفاعل والوقت الذي يُقضيه المستخدم على التطبيق. وهكذا أصبحت المشاعر خيارا رقميا يُدار عبر شاشة، فالتكنولوجيا غيّرت كلّ شيء: من طريقة التعارف، إلى طريقة التعبير عن المشاعر، وحتى طريقة الحفاظ على العلاقة.

* اقرأ أيضا: لمن يُواجهون الوحدة في عيد الحب.. هذا المقال لكم !

هل تقتلنا العزلة الرقمية؟..

يُولد الطفل وهو مهيأ بشكل تلقائي لحب الآخرين والتعاون معهم، وهذه المهارات العاطفية تعد -رغم أنّها غير مرئية- جزءا حيويا في حياة جميع البشر، وكلّما تقدّم الطفل في العمر تبدأ تلك المهارات بالتطوّر بفعل المحادثات اليوميّة ومخالطة الأقران والتفاعل الفكري والعاطفي مع المحيطين به.

إلاّ أنّ المستقبل ينذر بفقدان الأجيال للمهارات العاطفية -حسب دراسات حديثة- بسبب سيطرة الأجهزة التكنولوجية على حياتهم، وبقائهم لساعات طويلة معها، وهو ما قد يجعلهم ينفصلون عن الواقع الذي يعيشون فيه، ويفقدون تدريجيا القدرة على التقمص العاطفي لمشاعر الآخرين والتجاوب معهم حسيا وفكريا.

 

يُمكن القول أيضا إنّ العزلة الرقمية ليست انعزالًا عن الناس فحسب، بل انفصال عن الذات أيضا؛ حين انشغلنا بتوثيق اللحظة بدلاً من عيشها، وعندما باتت الردود أهم من الحوار، والظهور أهم من الحضور، لقد خسرنا مهارة الجلوس دون مشتت، ومهارة الإصغاء دون النظر إلى شاشة الهاتف.

وما هو أخطر من ذلك أنّ العزلة الرقمية تتسلّل إلينا بهدوء، دون إعلان، نظن أنّنا متصلون بالعالم، بينما نحن في الحقيقة نتراجع خطوة بعد خطوة نحو مساحة ضيّقة لا يسكنها أحد سوانا، نجتمع في غرف مليئة بالناس، لكن العيون معلّقة بالهواتف، تتشابك الأصابع مع الهواتف أكثر من تلاقي العيون، وكأنّ صمت الشاشات أصبح مرآة لمشاعرنا المفقودة.

"الحب الصحي".. حتّى مع التكنولوجيا!

يتّفق الباحثون على أنّ الحلّ لا يكمن في رفض التكنولوجيا، بل في إدارتها بشكل واعٍ. إليك بعض النصائح لبناء علاقة صحية ومستدامة:

√ خصص وقتًا خاليًا من الأجهزة؛ تواصل وجها لوجه مع شريكك حتى لو ساعة يوميًا، دون هواتف أو شاشات، لتعزيز القرب العاطفي.

√ استخدم الوسائل التقليدية للتعبير عن الحب أحيانًا؛ الرسائل المكتوبة بخط اليد أو الملاحظات الصغيرة تحمل قيمة عاطفية أكبر من الرسائل الإلكترونية، وتضيف لمسة شخصية للعلاقة.

√ حافظ على خصوصية العلاقة؛ تجنّب مشاركة كل تفاصيلكما على وسائل التواصل الاجتماعي. الخصوصية تمنح العلاقة متانة وثقة، وتبعدها عن ضغوط المقارنة أو التقييم.

لا تعتمد على التكنولوجيا كوسيلة للهروب؛ من الأفضل مناقشة المشكلات بصراحة بدلًا من دفنها خلف الشاشة، فالهروب قد يفاقم المشكلات ويبعدكما عن الحلول الواقعية.

في النهاية، لا يجب أن ننسى أنّ التكنولوجيا يمكن أن تكون وسيلة رائعة لتقريب الناس، لكن بشرط أن تظل الإنسانية في القلب. فالحب لا يُقاس بعدد الرسائل، ولا بعدد الإعجابات، بل بما نمنحه من وقت ومشاعر وصدق..

والأهم من ذلك، وأنت تُمسك هاتفك اسأل نفسك: هل أصبحتَ أقرب إلى الآخرين.. أم أبعد عن نفسك؟ ❤️

أمل مناعي